الشيخ محمد علي طه الدرة

133

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 29 ] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) الشرح : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ : هذا أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه الغر الميامين بمقاتلة الكفار من أهل الكتاب ، وعدم إيمانهم باللّه هو أنهم يصفونه بصفات لا تليق به من اتخاذ الولد وغير ذلك ، وعدم إيمانهم باليوم الآخر هو اعتقادهم بعثة الأرواح دون الأجسام ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ، ولا يشربون ، ولا ينكحون . وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ : كالخمر ، والخنزير ، ونحوهما ، وقيل : معناه : لا يحرمون ما حرّم اللّه في القرآن ، ولا ما حرم رسوله في السنة ، وقيل : معناه لا يعملون بما في التوراة والإنجيل ، بل حرفوهما ، وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم . وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي : لا يعتقدون صحة الإسلام الذي هو دين الحق ، الثابت الناسخ لجميع الأديان ، ومبطلها . مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ : بيان للذين لا يؤمنون ، وهم اليهود والنصارى ، الذين أعطوا التوراة ، والإنجيل . حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ أي : حتى يدفعوا الجزية المقررة عليهم ، وسميت جزية للاجتزاء بها في حقن دمائهم ، وحفظ أموالهم ، وحقوقهم ، ومعنى عَنْ يَدٍ عن قهر ، وغلبة ، يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس : أعطى عن يد . وَهُمْ صاغِرُونَ : ذليلون حقيرون ، وقال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم ، علما بأنها تسقط بالإسلام . تنبيه : مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ، ويؤيده أن عمر رضي اللّه عنه لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها من مجوس هجر ، وأنه قال : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » . وذلك لأن لهم شبهة كتاب فألحقوا بالكتابيين ، وأما سائر الكفرة من الوثنيين ؛ فلا تؤخذ منهم بل يقتلون ، وعند الإمام مالك : تؤخذ من كل كافر إلا المرتد . بعد هذا انظر الشرح بِالْيَوْمِ الْآخِرِ في الآية رقم [ 19 ] و اللَّهُ وَرَسُولُهُ : في الآية رقم [ 1 ] من سورة ( الأنفال ) حَرَّمَ : انظر الآية رقم [ 145 ] الأنعام ، دِينَ الْحَقِّ : انظر ما تقدم ، وانظر دِيناً في الآية رقم [ 161 ] الأنعام و الْحَقِّ في الآية رقم [ 33 ] ( الأعراف ) أُوتُوا : أصله ( أوتيوا ) ، فاستثقلت الضمة على الياء ، فحذفت ، فصار أُوتُوا ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو . الْكِتابَ : انظر الآية رقم [ 2 ] من سورة ( الأعراف ) . يَدٍ : انظر الآية رقم [ 107 ] منها أيضا . تنبيه : قال مجاهد نزلت الآية الكريمة حين أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقتال الروم ، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك ، وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود ، فصالحهم ، فكانت أول جزية أصابها